الشيخ محمد النهاوندي
126
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وعن بعض العلماء : في المقام كلام ملخّصه : أنّ للاختلاف أسباب . أحدها : وقوع المخبر به على أحوال « 1 » مختلفة وتطويرات شتّى ، كقوله في خلق آدم مرّة مِنْ تُرابٍ « 2 » ومرّة مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ « 3 » ومرّة مِنْ طِينٍ لازِبٍ « 4 » ومرّة مِنْ صَلْصالٍ « 5 » فهذه ألفاظ مختلفة ، ومعانيها في أحوال مختلفة ، إلّا أنّ كلّها يرجع إلى أصل واحد وهو التراب . وكقوله تعالى : فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ * « 6 » في موضع و تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ * « 7 » في موضع ، والجانّ : الصّغير من الحيّات ، والثعبان : الكبير منها ، وذلك الاختلاف بلحاظ أنّ خلقها خلق الثعبان العظيم ، وحركتها وخفّتها كحركة « 8 » الجّانّ وخفّته . وثانيها : اختلاف الموضع « 9 » ، كقوله : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ « 10 » وقوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ « 11 » مع قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ « 12 » . وذلك بلحاظ اختلاف الأماكن ، لأنّ في القيامة مواقف كثيرة ، ففي موضع يسئلون ، وفي آخر لا يسئلون . وقيل : إنّ السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ ، والمنفيّ سؤال المعذرة وبيان الحجّة . وقيل : إنّ السؤال الأوّل عن التوحيد وتصديق الرّسل . والسّؤال الثاني عمّا يستلزمه الإقرار بالنبوّات من شرائع الدّين وفروعه . وكقوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً « 13 » مع قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ « 14 » فمن الأولى يفهم إمكان العدل ، وممن الثانية عدم إمكانه ، فالأولى في توفية الحقوق ، والثانية في الميل القلبيّ ، وليس في قدرة الإنسان . أقول : وقريب من هذا الوجه مرويّ عن الصادق عليه السّلام « 15 » . قال : وكقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ « 16 » مع قوله : أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها « 17 » فالأولى في الأمر التشريعيّ ، والثانية في الأمر التكّوينيّ ، بمعنى القضاء والتقدير .
--> ( 1 ) . في الاتقان : أنواع . ( 2 ) . آل عمران : 3 / 59 . ( 3 ) . الحجر : 15 / 28 . ( 4 ) . الصافات : 37 / 11 . ( 5 ) . الرحمن : 55 / 14 . ( 6 ) . الأعراف : 7 / 107 ، الشعراء : 26 / 32 . ( 7 ) . النمل : 27 / 10 ، القصص : 28 / 31 . ( 8 ) . في الإتقان : كاهتزاز . ( 9 ) . في الاتقان : الموضوع . ( 10 ) . الصافات : 37 / 24 . ( 11 ) . الأعراف : 7 / 6 . ( 12 ) . سورة الرحمن : 55 / 39 . ( 13 ) . النساء : 4 / 3 . ( 14 ) . النساء : 4 / 129 . ( 15 ) . راجع : تفسير القمي 1 : 155 ، تفسير العياشي 1 : 448 / 1130 . ( 16 ) . الأعراف : 7 / 28 . ( 17 ) . الإسراء : 17 / 16 .